ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

98

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ثم حذف الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص . ومن هذا الضرب قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية أي : فحلق فعليه فدية . وكذلك قولهم : الناس مجزيّون بأعمالهم : إن خيرا فخيرا ، وإن شرّا فشرا : أي إن فعل المرء خيرا جزي خيرا ، وإن فعل شرّا جزي شرا . وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر تقدير ذلك : فأفطر فعدة من أيام أخر ؛ ولهذا ذهب داود الظاهري إلى الأخذ بظاهر الآية ، ولم ينظر إلى حذف الشرط ؛ فأوجب القضاء على المريض والمسافر ، سواء أفطر أم لم يفطر . ومن حذف الشرط قوله تعالى : يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون . وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون اعلم أن هذه الفاء التي في قول الشاعر : « فقد جئنا خراسانا » « 1 » وحقيقتها أنها في جواب شرط محذوف يدلّ عليه الكلام ، كأنه قال : إن صحّ ما قلتم إن خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص ، وكذلك هذه الآية ، يقول : إن كنتم منكرين للبعث فهذا يوم البعث : أي قد تبين بطلان قولكم . أما حذف جواب الشرط فكقوله تعالى : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فإن جواب الشرط هاهنا محذوف تقديره : إن كان القرآن من عند

--> ( 1 ) يشير إلى قول الشاعر : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثمّ القفول ، فقد جئنا خراسانا